النويري

392

نهاية الأرب في فنون الأدب

وقال سيف الدين بن جبارة : للَّه ! أىّ غريبة وعجيبة في صنعة الأهرام للألباب ؟ أخفت عن الأسماع قصّة أهلها ، ونضت عن الإبداع كلّ نقاب . فكأنّما هي كالخيام مقامة من غير ما عمد ولا أطناب . ومن رسالة لضياء الدين بن الأثير الجزرىّ في ذكر مصر ووصف الأهرام ، جاء منها : بلد أشهد بفضله على البلاد ، ووجدته هو المصر وما عداه فهو السّواد . فما رآه راء إلا ملأ عينه وصدره ، ولا وصفه واصف إلا علم أنه لم يقدره قدره . وبه عجائب من الآثار ، لا يضبطها العيان ولا الإخبار . فمن ذلك الهرمان ، اللذان هرم الدهر وهما لا يهرمان ؛ قد اختص كل منهما بعظم البناء ، وسعة الفناء ؛ وبلغ من الارتفاع غاية لا يبلغها الطير على بعد تحليقه ، ولا يدركها الطَّرف على مدّة تحديقه ؛ فإذا أضرم برأسه قبس ظنه المتأمل نجما ، وإذا استدارت عليه قوس السماء كان لها سهما » . وبالقرب من الأهرام صنم على صورة إنسان ، تسميه العامّة « أبو الهول » لعظمه . والقبط يزعمون أنه طلَّسم للرمل الذي هناك ، لئلا يغلب على أرض الحيزة . وأما حائط العجوز والعجوز هي دلوكا ملكة مصر . وهذا الحائط من العريش ( وهو حدّ مصر من جهة الشام ) إلى أسوان ( وهى حدّ مصر من جهة النوبة ) ، شاملا للديار المصرية من الجانب الشرقىّ . وزعمت القبط أنّ سبب بنائها أن اللَّه عز وجل لما أغرق فرعون وقومه ، خافت دلوكا على مصر أن يطمع الملوك فيها . فبنته ، وزوّجت النساء بالعبيد حتّى يكثر النّسل والذرّية .